نائل نبيل يكتب: دور الإعلام فى التحكم والسيطرة على الشعوب.


ممن لا شك فيه إن الإعلام يعد أحد أهم أدوات القوة الناعمة التى تستخدمها الدول، بأوقات السلم والحرب.
نظرآ لما يملكة الإعلام من أدوات فى تشكيل وتحريك الرأى العام، طبقآ للأيدلوجيات المختلفة لكل دولة.
ويعد الدور الأخطر للإعلام بوقت السلم، حيث إنه يمكن أن يرسم إستراتيجيات وسياسات، ويعطى توجهات ويشكل أراء في شعوب الدول المختلفة، وبخاصة الشعوب الأقل قدرة فى التعامل مع وسائل الإعلام الدولى، وفهم مضمونها وعدم الوقوع فى فخاخها، وذلك من خلال ما تملكة الدولة من أدوات وبرامج إعلامية تكون بمثابة حائط صد يفند ويشرح ويقدم التصحيح الآنى والدقيق لجميع الأخبار التى تنشر وتبث، وتستهدف شعب هذه الدولة.
وأيضآ علي جانب آخر وهو إستخدام الدولة نفسها للإعلام للسيطرة على شعبها، أو إستخدام رجال الأعمال من مالكى وسائل الإعلام للوسيلة الإعلامية لتوجية الرأى العام وتشكيلة والسيطرة علية بما يخدم توجهاتهم وسياستهم سواء كانت مع أو ضد الدولة ذاتها.
وهنا درجات السيطرة تختلف بأختلاف درجة ثقافة ووعى شعب تلك الدولة.
وقد تناقلت عدة مواقع عالمية قائمة أعدها المفكر الأمريكى «نعوم تشومسكي»، والتى حملت عنوان :
"الإستراتيجيات العشر للتحكم في الشعوب".
ولقد أختزل فيها الطّرق التي تستخدمها وسائل الإعلام العالميّة للسيطرة على الشّعوب، وذلك فى عشرة إستراتيجيات تتناول دور الإعلام فى التحكم والسيطرة على الشعوب.
أولاً- إستراتيجيّة الإلهاء.
هذه الإستراتيجيّة عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل إنتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والإقتصادية، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة، وتعتبر إستراتيجيّة الإلهاء ضروريّة أيضا لمنع العامة من الأهتمام بالمعارف الضروريّة في ميادين مثل العلوم، الاقتصاد، علم النفس، بيولوجيا الأعصاب وعلم الحواسيب، والتى ترتكز على قاعدة "حافظ على تشتّت أهتمامات العامة، بعيداً عن المشاكل الإجتماعية الحقيقية، وأجعل هذه الإهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة، وأجعل الشعب منشغلاً، منشغلاً، منشغلاً، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات".
(مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة).
ثانياً- إستراتيجيّة إبتكار المشاكل، ثم تقديم الحلول.
هذه الطريقة تسمّى أيضا "المشكل – ردّة الفعل – الحل"، وفي الأول نبتكر مشكلا أو «موقفاً»، متوقعاً لنثير ردّة فعل معيّنة من قبل الشعب ذاته، حتى يطالب هذا الأخير بالإجراءات التي نريده أن يقبل بها، مثل ترك العنف الحضري يتنامى، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بقوانين أمنية على حساب حرّيته، أو إبتكار أزمة مالية حتى يتمّ تقبّل التراجع على مستوى الحقوق الإجتماعية وتردّي الخدمات العمومية كشرّ لا بدّ منه.
ثالثاً- إستراتيجيّة التدرّج.
لكي يتم قبول إجراء غير مقبول، يكفي أن يتمّ تطبيقه بصفة تدريجيّة، مثل أطياف اللون الواحد «من الفاتح إلى الغامق»، على فترة تدوم 10 سنوات، وقد تم إعتماد هذه الطريقة لفرض الظروف "السوسيو - إقتصادية" الجديدة بين الثمانينات والتسعينات من القرن السابق، مثل
بطالة شاملة، هشاشة، مرونة، تعاقد خارجي ورواتب لا تضمن العيش الكريم، وهي تغييرات كانت ستؤدّي إلى ثورة لو تمّ تطبيقها دفعة واحدة.
رابعاً- إستراتيجيّة المؤجَّل.
وهي طريقة أخرى يتم اللجوء إليها من أجل إكساب القرارات المكروهة القبول، وحتّى يتمّ تقديمها كدواء «مؤلم ولكنّه ضروري»، ويكون ذلك بكسب موافقة الشعب في الحاضر على تطبيق شيء ما في المستقبل، مثل قبول تضحية مستقبلية يكون دائما أسهل من قبول تضحية حينيّة، واولاً ذلك لأن المجهود لن يتم بذله في الحين، وثانياً لأن الشعب له دائماً ميل لأن يأمل بسذاجة أن "كل شيء سيكون أفضل في الغد"، وأنّه سيكون بإمكانه تفادي التّضحية المطلوبة في المستقبل، وأخيراً يترك كلّ هذا الوقت للشعب حتى يتعوّد على فكرة التغيير ويقبلها باستسلام عندما يحين أوانها.
خامساً- إستراتيجيّة مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار.
وهى إستراتيجيّة تستخدم غالبية الإعلانات الموجّهة لعامّة الشعب، "خطاباً وحججاً وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي"، وكثيراً ما تقترب من مستوى التخلّف الذهني، وكأن المشاهد طفل صغير أو معوّق ذهنيّاً. كلّما حاولنا مغالطة المشاهد، كلما زاد اعتمادنا على تلك النبرة.
لماذا؟ لأنه ببساطة «إذا خاطبنا شخصآ كما لو كان طفلآ مثلآ فى سن الثانية عشر، فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردّة فعل مجرّدة من الحسّ النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردّة فعل أو إجابة الطفل ذي الإثني عشر عاما».
(مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة).
سادساً- إستراتيجيّة إستثارة العاطفة بدل الفكر.
إستثارة العاطفة هي تقنية كلاسيكية تُستعمل لتعطيل التّحليل المنطقي، وبالتالي الحسّ النقدي للأشخاص، كما أنّ إستعمال المفردات العاطفيّة يسمح بالمرور للاّوعي حتّى يتمّ زرعه بأفكار، رغبات، مخاوف، نزعات، أو سلوكيّات.
سابعاً- إستراتيجيّة إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة.
وهى ترتكز على العمل بطريقة يكون خلالها الشعب غير قادر على إستيعاب التكنولوجيات والطّرق المستعملة للتحكّم به وإستعباده، بمعني «يجب أن تكون نوعيّة التّعليم المقدّم للطبقات السّفلى هي النوعيّة الأفقر، بطريقة تبقى إثرها الهوّة المعرفيّة التي تعزل الطّبقات السّفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطّبقات السّفلى».
(مقتطف من كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة).
ثامناً- إستراتيجيّة تشجيع الشّعب على إستحسان الرّداءة.
وهى تهدف لتشجيع الشّعب على أن يجد أنّه من "الرّائع" أن يكون غبيّاً، همجيّاً، وجاهلاً.
تاسعاً- إستراتيجيّة تعويض التمرّد بالإحساس بالذنب.
وهنا نجعل الفرد يظنّ أنّه المسؤول الوحيد عن تعاسته، وذلك من خلال تنمية الشعور لدية بإن السبب هو نقص في ذكائه وقدراته أو مجهوداته وهكذا، وذلك دون أن يثور على النّظام الإقتصادي ذاته، وهنا يقوم بامتهان نفسه ويشعر بالذنب، وهو ما يولّد «دولة اكتئابيّة» يكون أحد آثارها الإنغلاق وتعطيل التحرّك، ودون تحرّك لا وجود للثورة!.
عاشراً وأخيراً- إستراتيجيّة معرفة الأفراد أكثر ممّا يعرفون أنفسهم.
خلال الخمسين سنة الماضية، تسببت التطوّرات العلميّة المذهلة فى هوّة لا تزال تتّسع بين المعارف العامّة، وتلك التي تحتكرها وتستخدمها النّخب الحاكمة، فبفضل علوم الأحياء، "بيولوجيا الأعصاب وعلم النّفس التّطبيقي"، توصّل «النّظام» إلى معرفة متقدّمة للكائن البشري، على الصّعيدين الفيزيائي والنّفسي، وأصبح هذا «النّظام» قادراً على معرفة الفرد المتوسّط أكثر ممّا يعرف نفسه، وهذا يعني أنّ النظام في أغلب الحالات يملك سلطة على الأفراد أكثر من تلك التي يملكونها على أنفسهم