فى شهر الإحتفال بالمرأة "فلوت" إيناس عبد الدايم يرقص على موسيقى الچاز (رؤية نقدية كريمان حرك)


الحفل الذى أقامه أوركسترا القاهرة السيمفونى مساء السبت الماضى على المسرح الكبير فى الموعد الأسبوعى للفريق، يُعد من الأحداث الهامة لأنه جعل دكتور إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة تطل علينا كفنانة، بعد طول غياب لتهدى عزفها للمرأة فى هذا الشهر "مارس" الذى يتضمن يوم المرأة العالمى وعيد الأم، فكانت فكرة ذكية وصائبة وخير هدية للمرأة المصرية، خاصة أن الحفل الذى تحمل مسئوليته فريق "بغدادى باند" بجانب السيمفونى بقيادة المايسترو دكتور مجدى بغدادى يمثل إستراحة للجمهور بعد عدة حفلات كلاسيكية ضخمة عزفت خلالها أعمال "فاجنر، وبندرتيسكى، وسبيليوس"، حيث جاء بعنوان "چاز كونسير"، وكانت فقراته جميعها من موسيقى الچاز مع مساندة من السيمفونى كما يتضح فى السطور التالية .
تصوير صلاح سعيد
ودكتور مجدى بغدادى قائد الحفل ليس بعيدا عن موسيقى الچاز، وأيضا عن الموسيقى الكلاسيكية فهو عازف ترومبيت وأستاذ لهذه الآلة فى الكونسرفتوار منذ عودته من دراساته العليا بألمانيا فى أوائل التسعينيات، وكان عازف رئيسى فى أوركسترا القاهرة السيمفونى، ثم أسس فرقته الشهيرة لموسيقى الچاز "بغدادى باند" وله نشاط كبير فى الساحة الموسيقية .
تتضمن الحفل فاصلين الثانى كان إحدى عشرة مقطوعة مختارة من موسيقى الچازو والأغانى الخفيفة المشهورة، وبعضهم تم صياغة الوتريات للمصاحبة الأوركسترالية، وشارك بالغناء رنا حجاج وفريدة تامر وعلى الحريرى .
أما الفاصل الأول بدأ بمقطوعة الچاز الشهيرة "ذا مود" للمؤلف الأمريكى جو جارلاند (1903-1977) والتى كانت خير إفتتاح تمهيدى للبرنامج وهى مؤلفة لفرقة الچاز التى تتكون دائما من آلات النفخ والإيقاع، وكان هناك مصاحبة من الوتريات قام بإعدادها مصطفى جمال ومجدى بغدادى .
تصوير صلاح سعيد
• درة البرنامج .
أما الفقرة الثانية فى هذا الفاصل والتى شاركت فيها دكتور إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، والتى تُعد درة البرنامج كانت للمؤلف الفرنسى كلاوود بيلونج (1920-2020) والذى كان عازف بيانو چاز شهير، كما كان مؤلفا مبدعا كتب موسيقى تصويرية لأكثر من مائة فيلم وتعاون مع عدد كبير من فرق الچاز، وأيضا مع مؤلفى الموسيقى الكلاسيكية، وجمع بين عصر الباروك والأساليب الحديثة، وكانت أسطوانته وألبوماته تحقق أعلى المبيعات لسنوات متتالية، ولم تقتصر شهرته على أوروبا فقط، وإنما معروفا فى الولايات المتحدة .
المقطوعة بعنوان "متتالية للفلوت وثلاثي بيانو الچاز" ويُعد هذا العمل من أشهر أعماله حيث تجلي فيه المزج الناعم بين موسيقي الچاز والموسيقي الكلاسيكية، وقد كتبه خصيصا لعازف الفلوت الفرنسى الشهير جون بيير رامبيل (1922-2000) والعمل اكتسب شهرة كبيرة منذ عزف وسجل لأول مرة عام 1975.
العمل لآلة الفلوت الكلاسيكى وثلاث آلات البيانو والكونترباص والدرامز ومكون من سبع حركات لكل حركة عنوان، وقد تم تقديم خمسة منهم "1-2-3-5-7 باروك – ستايمنتال - جافنيز – الايرلندى - فيلوتشى" .
تصوير صلاح سعيد
وهذا العمل ليس جديدا على الجمهور المصرى حيث إنه من ريبرتوار دكتور إيناس وقدمته لأول مرة عام 2014 بصياغة أوركسترالية للمؤلف المصرى دكتور محمد سعد باشا، الذى كان أيضا قائد الحفل، أما فى هذا الحفل التوزيع الأوركسترالى كان لعازف الفلوت "ديمترى فاريلاس" من اوزبكستان والذى حافظ إلى حد ما على التوازن بين الثلاثى وفريق الأوركسترا، ولكن بأسلوب أقل عمقا وحرفية من الباشا الذى جعل الثلاثى ضمن نسيج العمل مع الحفاظ على روح موسيقى الچاز .
وفى هذا الحفل إستطاع المايسترو بغدادى أن يتفادى الفصل الواضح بين الفريق والثلاثى، وبخبرته الطويلة فى مجال موسيقى الچاز تمكن من السيطرة على المجموعات الآلية ذات الطبيعة المختلفة وأعطى الفرصة للإستماع للعمل الأصلى والإستمتاع للعزف المنفرد وللحوار الذى فى العمل الأصلى بين الفلوت والبيانو والإيقاع، وقد ساعد على ذلك مهارة العازفين .
أما عن أداء الفنانة الدكتور إيناس فكانت البطولة فى هذا العمل للفلوت كما أن الحركات الخمس متنوعة ومتناقضة، ولهذا تعد تحدى كبير للعازف ونجدها نجحت تماما فى التحدى وهضمت العمل وتمكنت من تفسير فكر المؤلف بالإضافة للشخصية والحس العاطفى التى يحتاجه هذا العمل وهى بارعة فيه، وعلى سبيل المثال نجد الحركة الأولى التى تعد من أجمل النغمات فى قمة الكلاسيكية التى تجلت فى زخرفة الباروك وتكرار اللحن الغنائى الجميل ثم الحوار مع البيانو أحيانا، وأداء النغمة الراقصة بمساندة من البيانو .
تصوير صلاح سعيد
ونجد فى الحركة الثانية عزف النغمات المستقيمة مع دور بارز للبيانو لقد كانت مباراة هادئة وعاطفية بين آلتين وتختتم هذه الحركة بنغمات غنائية فى الحركة الثالثة، وفى الحركات الأخيرة تأتى الحركات الراقصة ذات النغمات القصيرة والمتلاحقة مع غنائية كبيرة وسرعة فائقة تجلت فى الحركة الأخيرة النشطة إنه أداء يحتاج لمهارة فائقة، والجميل أنها أدت كل هذا بسلاسة ودقة فى التكنيك، جعلت الجمهور يقف لتحيتها وقفز إلى ذاكرتى إتقانها وعزفها لكونشرتو "خاتشودريان" .
حقا عازفة متمكنة ورغم المناصب الإدارية ومسئوليتها إلا أنها ناضجة فنيا ليس من فراغ وإنما نتيجة خبرتها وكفاحها الطويل فى العزف وخوضها لكل المجالات كونشرتات من عصور مختلفة، وحفلات موسيقى حجرة وعزف منفرد وجماعى وسط السيمفونى، وموسيقى عربية ولاتينية وأخيرا الچاز، لقد جعلت آلة الفلوت جماهيرية ومعروفة .
ولا يفوتنا أن نذكر أداء محمد صالح الرائع والدقيق على آلة البيانو، ورغم أن أيضا هذا العمل من رصيده الفنى ولعبه أكثر من مرة ولكن هذه المرة كان متألقا جدا رغم صعوبة العمل لقد أستطاع أن يحقق التكنيك الذى أراده المؤلف، ووجدت هذا العازف الذى تميز فى الكلاسيك يعزف بيانو الچاز بحرفية كبيرة، أيضا باقى الثلاثى شريف عليان عازف الكونترباص المتميز، وأما الإكتشاف الجديد كان عازف الدرامز حازم عبد القادر الذى يلعب العمل لأول مرة .
وأخيرا سهرة ممتعة وهدية رائعة من عازفة أكاديمية متمرسة ورغم تقديرنا للمسئولية الثقافية التى تتحملها إلا أن الأمنيات أن تقدم لعشاق الموسيقى هذه الهدايا من حين لآخر.
تصوير صلاح سعيد