زكي رستم "رائد مدرسة الاندماج" طردة والدة الباشا من القصر وانتحرت حبيبته فقاطع الزواج حتى وفاته


من يشاهد زكي رستم في فيلم "أنا وبناتي" الذي أخرجه حسين حلمي المهندس عام 1960 وهو يؤدي دور الأب الطيب لأربعة بنات، يستحيل أن يصدق أنه هو نفسه الذي ظهر في فيلم "رصيف نمرة 5" الذي أخرجه نيازي مصطفى قبلها بسنوات قليلة.
الفنان زكي رستم بلقطة من فيلم أنا وبناتي
وظهر زكي رستم في "رصيف نمرة 5" رئيسا لعصابة تتاجر في المخدرات ولا تتوانى عن تحقيق أهدافها الإجرامية ولو باللجوء للقتل أحيانا كثيرة بخسة ونذالة، بينما يرتدي ثوب الواعظ المتدين.
في الفيلم الأول "أنا وبناتي" ترى ممثلا يدفعك للتعاطف معه من شدة الطيبة والخوف على بناته اللاتي يواجهن مصيرا غامضا عقب حادث يقع له، بينما لم يمهد لخروجهن لمواجهة الحياة من كثرة خوفه عليهن.
أما في الفيلم الثاني "رصيف نمرة 5" لابد وأن يصيبك بالغيظ والكراهية الشديدة نتيجة خداعه لفريد شوقي أو "الشاويش خميس" الذي يفعل معه كل الأباطيل بما في ذلك قتل زوجته، فقد كان ممثلا عملاقا قادرا على التنويع في أدائه بصورة مذهلة.
زكي رستم وفريد شوقي ولقطة من فيلم رصيف نمرة 5
ومن أدوار الباشا الأرستقراطي إلى الأب الحنون إلى المعلم في سوق الخضار إلى الفتوة إلى الموظف إلى المحامي إلى الزوج القاسي، تقلب زكي رستم بين الأدوار التي عرف خلالها بتقمصه الشديد للشخصية التي يلعبها، وهو الأمر الذي اشتهر به مبكرا منذ التحاقه بفرقة "جورج أبيض"، مثلما اشتهر بعد ذلك بأدوار الشر والرجل المتسلط قوي الشكيمة كما في فيلم "نهر الحب"، وأفلام أخرى وصل عددها لنحو 240 فيلما.
كما نجح زكي رستم في تقديم أدوار الباشا التي كانت جزءا حقيقيا من حياته، فهو أبن الطبقة الأرستقراطية، حيث ولد في قصر جده بحي الحلمية بالقاهرة لأسرة أرستقراطية من أغنى عائلات مصر، وكان والده عضوا بارزا بالحزب الوطني وصديقا شخصيا للزعيمين المصريين مصطفى كامل ومحمد فريد.
كتب عنه جورج سادول المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي إنه فنان قدير ونسخة مصرية من أورسن ويلز بملامحه المعبرة ونظراته المؤثرة، كما اختارته مجلة "باري ماتش" الفرنسية واحداً من أفضل 10 ممثلين عالميين.
وقالت ليلى رستم، ابنة أخيه، في حوار سابق مع الإعلامي مفيد فوزي، إنه كان فنانا بمعنى الكلمة، وهب حياته للفن وصرف نصف ثروته عليه، بينما أمم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر نصف ثروته الآخر.
وأطلق على زكي رستم "رائد مدرسة الاندماج"، لدرجة أن فاتن حمامة كانت تخشى هذا الاندماج الذي قالت عنه إنه "يندمج لدرجة أنه لما يزقني كنت ألاقي نفسي طايرة في الهواء".
وتسبب اندماجه في أن يقوم بصفع الفنانة صباح أمام كل العاملين في واقعة شهيرة أثناء تصوير فيلم "هذا جناه أبي"، عندما ضحكت عليه أثناء اندماجه دون أن تقصد، ولكنه ذهب إلى غرفتها ليعتذر لها بعد ذلك، وفعلت هي الشيء نفسه.
ولم يكن رستم بارعاً فى التمثيل فقط، بل كان أيضاً بطلا رياضيا في رفع الأثقال في شبابه، حيث حصل على المركز الثاني على مستوى مصر في مسابقة رفع الأثقال عام 1923 ولكنه اعتزلها بسبب شغفه بالتمثيل، الذي بدأه بفيلم "زينب" عام 1930 أمام بهيجة حافظ، ودولت أبيض، وحسين عسر، وسراج منير.
وقدم زكي رستم أدوارا متنوعة في أفلام من نوعية "العزيمة" 1939، و"زليخة تحب عاشور" 1939، و"إلى الأبد" 1941، و"الشرير" 1942، و"عدو المرأة" 1945، و"خاتم سليمان"، و"ياسمين"، و"معلش يا زهر" 1947، و"بائعة الخبز" 1953، و"الفتوة" 1957، و"امرأة على الطريق" 1958 وآخر أفلامه "إجازة صيف" 1967.
وعلى المستوى الشخصي كانت حياة رستم مليئة بالدراما، فبعد حصوله على شهادة البكالوريا عام 1920، وعلى الرغم من رغبة والده في إلحاقه بكلية الحقوق فإنه رفض استكمال تعليمه الجامعي، وأختار التمثيل متمرداً على تقاليد الأسرة، ما دفع والدته لطرده من القصر، معتبرة إياه متمردا على تقاليد الأسرة العريقة، ثم أصيب بعدها والدة بالشلل.
كما انتحرت حبيبة زكي رستم خوفا من رفض أسرتها زواجها به لأنه "مشخصاتي"، وهو ما تسبب في أن يعيش بقية حياته عازبا، فلم يتزوج رستم قط، وعاش حياته وحيدا مع خادم عجوز وكلبه الذي كان يصاحبه في جولاته الصباحية.
كما عانى زكي رستم في سنواته الفنية الأخيرة من ضعف السمع، قبل أن يعتزل التمثيل نهائياً عام 1968 ويبتعد عن السينما بعد أن فقد حاسة السمع تدريجياً، وفي يوم 15 فبراير عام 1972 أُصيب بأزمة قلبية أدت إلى وفاته عن عمر يناهز 69 عاماً.
إقرأ أيضاً
• مشوار حياة العملاق زكي رستم مع الفن.
إستطاع زكي محرم محمود رستم الشهير بـ«زكي رستم» والمولود في حي الحلمية بالقاهرة لأسرة ثرية يوم ٢٥ مارس عام 1903، أن يضع نفسه بين العمالقة، وبتحدِ وعناد خرج من عباءة «البشوية والثراء» التي اختارتها له عائلته، ليصبح ممثلًا وفنانًا ينحت الصخر مع صديقه سليمان نجيب.
بدأت حكاية زكي رستم عندما أخذه صديقه سليمان نجيب إلى عبد الوارث عسر الذي نجح في ترتيب لقاء له مع جورج أبيض، وطلب منه أداء مشهد تمثيلي نجح في تقديمه، فانضم وقتها إلى الفرقة رافضًا تقاضي أي مقابل مادي، وبعدها انضم إلى فرقة «رمسيس» عام 1925، وأسند إليه أدوارا رئيسية، ووقتها أقنعه يوسف وهبي بأهمية الاحتراف وتقاضي أجر، وبالفعل تقاضى أول أجر شهري في حياته 15 جنيها، وبعد عامين من عمله بالفرقة أنتقل إلى «فاطمة رشدي» ثم «عزيز عيد» وتركهما بعد شهور وانضم للفرقة القومية.
قدم رستم 45 عملًا مسرحيًا كان أهمهم (مجنون ليلى، الوطن، مصرع كليوباترا، كرسي الاعتراف، الشيطانة) حتى صدر قانون بمنع العاملين في المسرح بالسينما، وكان رستم وقتها قد وقع خمسة عقود فقرر الاستقالة من الفرقة، وكانت نهاية عهده بالمسرح.
واستطاع أن يقدم في هذا الوقت أيضًا، أعمالًا سينمائية متنوعة كان بدايتها عندما اختاره المخرج محمد كريم، ليشارك في الفيلم الصامت «زينب» عام 1930، وأفلام (الضحايا، العزيمة، ليلى بنت الصحراء، الوردة البيضاء عام 1933، كفري عن خطيئتك عام 1933، الاتهام، 1934، ليلى بنت الصحراء 1939، العزيمة عام 1945، قصة غرام، السوق السوداء) وغيرها من الأفلام.
بدأت موهبة رستم في النضوج وظهرت عبقريته الفنية العالية، من خلال مشاركته في فيلم (هذا جناه أبي) عام 45، وقال النقاد عنه في هذا الفيلم إن القدرة على التحول في الشخصية والتقمص وتقديم ما يستلزم لتظهر الشخصية كما هي، جعلتنا نصدق شخصية عادل في المرحلتين، وهي عبقرية تحسب لممثل بقامة زكي رستم، ومن بعدها وفي فترة الخمسينسات قدم رستم عددًا كبيرًا من الأفلام المهمة مع عمالقة الفن منها أفلام (عائشة مع فاتن حمامة، وياسمين مع مديحة يسري، ومعلش يا زهر، وأنا الماضي).
وفي هذه الفترة أيضًا بدأت الأنظار تلتفت إليه وأطلق عليه لقب «الباشا» عندما تقمص ببراعة دور الباشا الإقطاعي المخطط للظلم الإجتماعي في فيلم «صراع في الوادي» الذي أخرجه يوسف شاهين، ليتقمص شخصية أخرى وهي رئيس العصابة في (حميدو ورصيف نمرة خمسة وإغراء وأين عمري والفتوة).
استمر زكي رستم في تقديم أعمال قوية، حيث شارك في «امرأة في الطريق» حيث برع في تجسيد شخصية الأب الذي اشتهر وقتها في هذا الفيلم بجملة «عمتني يا صابر» ليدخل بعدها في فترة الستينات، ليقدم فيها عددًا رائعًا من الأعمال السينمائية منها فيلم (ملاك وشيطان، ونهر الحب، وأعز الحبايب، ويوم بلا غد، والحرام، إجازة صيف).