الإثنين ٢٤ / يونيو / ٢٠١٩ 06:40 م
أخر الأخبار

الخبير يجيب عن سؤال استنكاري يطرح بعد كل عملية ارهابية "لية الإرهابيين مبيخلصوش؟"

قوات إنفاذ القانون  (أرشيفية)
قوات إنفاذ القانون (أرشيفية)

السبت ٠٨ / يونيو / ٢٠١٩ 03:28 ص مقالات الخبير 143 مشاركة
تم النسخ

تلك هي أكثر الأسئلة الاستنكارية التي يتم إثارتها بعد أي حدث إرهابي، بخاصة علي مواقع التواصل الإجتماعي «لية الإرهابيين مبيخلصوش؟»، يتبعه قيام القوات المسلحة والشرطة بتنفيذ ضربات جوية أو مداهمات لأوكار أو مناطق التجمع أو الإختباء العناصر الإرهابية المسؤولة عن هذا الحدث.

ورغم أن البعض ممن ليس لديهم إطّلاع ومعرفة بقدر كافٍ قد يتصور إن تلك الضربات العسكرية فقط مجرد رد فعل علي العملية الإرهابية، وهذا تصور غاية في السذاجة، لأن في حقيقة الأمر هذه الضربات العسكرية تكون غاية في الأهمية، وليست مجرد رد فعل من القوات علي الجماعات الإرهابية، لهذا الأمر يحتاج إلي الشرح والتوضيح.

ما شكل ونوع الحرب علي الإرهاب؟

في البداية هناك ما يسمي بالحروب التقليدية أو النمطية "Conventional Symmetric Warfare"، وهناك الحروب الغير نظامية أو الغير نمطية "Irregular Asymmetric Warfare"، والتي تُعرف أيضا بحرب العصابات «Guerrilla Warfare» يكون القاسم المُشترك بينهما في الإستعداد والتجهيز المُسبق للتصدي لأي هجوم، هو المعلومات الاستخباراتية «Intelligenc Information»، التي بناءٍ عليها يتم تحديد تفاصيل الهجوم المُنتظر، كعدد الأفراد وطبيعة تسليحهم وتجهيزهم، وأين ومتى سيحدث الهجوم؟، وهل سيكون الوحيد أم سيتبعه عدد آخر من الهجمات؟، وهل ستكون على نفس الموقع أم في مواقع أخرى؟، وهل ستكون بنفس النمط والتكتيك والكثافة أم ستكون مختلفة؟ .. إذن المعلومة هي الأساس.

ففي الحرب التقليدية، يكون العدو ظاهراً واضحاً، مُتمثلا في جيش نظامي مماثل، وبالتالي تكون مراكز ونقاط تجمعه وإنطلاقه معروفة بنسبة كبيرة، ويسهل إستطلاع قواته وجمع كم وافر من المعلومات عن تفاصيله "كاللغة، العقيدة، الأيديولوجية، التسليح، التجهيز، الحجم، الإحتياطيات الإستراتيجية، ومسارات الحركة .. إلخ"، وبالتالي فإنه يمكن زرع عناصر إستخباراتية في صفوف العدو وداخل قواعده، لجمع المعلومات المطلوبة.

وإذا كان هذا العدو يحتل أرضاً وطنية أو صديقة، فيُمكن الإستعانة بأبناء هذه الأرض ليكونوا مصدرأ إضافياً للمعلومات، إعتماداً على وطنيتهم وكونهم رافضين لهذا الإحتلال.

مثال: عمليات الإستطلاع خلف خطوط العدو والتجسس المصرية داخل سيناء وفي الأراضي الفلسطينية المُحتلة ضد إسرائيل قبل وأثناء حرب أكتوبر .

الحرب الغير النظامية أو ما يعرف بحرب العصابات وهي الطريقة التي يتبعها الإرهابيين

ففي الحرب الغير نظامية، يكون العدو كـ "الأشباح"، لا يمتلك مراكزاً ولا قواعد ثابتة، فهو عبارة عن جماعات مُسلحة أو مليشيات أو قوّات شبه عسكرية «Paramilitary Militia» تعتمد على تكتيكات التخفي والإختباء والكر والفر، والحركة والتنقل الدائمين، وحرب العصابات داخل المدن والمناطق الزراعية والجبلية، ويدخل في مكوّنه بنسبة كبيرة أبناء نفس الأرض التي يسيطر عليها أو تلك التي يمارس عليها أنشطته القتالية، فنجد أن أفراده يتشابهون مع المدنيين في الشكل والعادات واللغة والدين، أي أنه يجد الحاضنة الشعبية، والملاذ الآمن للإختباء.

بل إن أساس الحرب الغير نظامية، أن العدو يستهدف السيطرة والتأثير على المدنيين بشكل مُباشر، بعكس الحرب التقليدية التي يكون فيها المدنيين إلى حد كبير في معزل عن الإقتتال الدائر بين الجيشين النظاميين.

مثال: مناطق "العريش – الشيخ زويد رفح بشمال سيناء"، "حرب أفغانستان"، "حرب العراق"، "حرب الشيشان"، "حرب أيرلندا الشمالية"، "حرب جنوب لبنان"، مع إختلاف مٌسببات الحروب ودوافعها في كل منطقة.

ويعتمد العدو الغير تقليدي على الإختباء داخل الكهوف الجبلية، المناطق الزراعية، الأنفاق والخنادق والسراديب تحت الأرض، العشش والمنازل، والمنشآت المهجورة. بالتالي، فإن عملية جمع المعلومات وزرع العناصر الإستخباراتية مع هكذا عدو، تكون غاية في الصعوبة، نظراً لعدم وجود مناطق تمركز ثابتة لعناصره، ولسهولة إندماجه في الوسط المدني المحيط، ولسهولة وقدرة كشفه أي غرباء او دخلاء على المنطقة التي ينشط بها، مما يرفع من نسبة تعرض عناصر الإسختبارات والإستطلاع وجمع المعلومات لخطر الكشف وخسارتهم.

إذن فلا يُمكن أبداً تحديد مواقع أو مناطق تمركز وإختباء هذه العناصر قبل تنفيذها للعمليات، إلا فقط في حال توافر معلومات مُبكرة ومُسبقة عن هذه العمليات، والتي يتم الحصول عليها، إما من خلال تعاون أبناء المنطقة ( مندوبين – مرشدين – قصاصين أثر ) أو من خلال إعتراض إتصالات لاسلكية بين هذه العناصر وبعضها البعض، تتضمن معلومات عن تنفيذ العملية، أو من خلال رصد لتحركات هذه العناصر بشكل مُبكر يسمح بسرعة إتخاذ الإجراءات اللازمة من تنفيذ ضربات إستباقية ومداهمات تحول دون تنفيذهم لمخططاتهم.

تكتيك تخفي الجماعات الإرهابية والهروب من الرصد الأمني

إن هذه التنظيمات الإرهابية غالباً ما يكون لديها وسائلها للحيلولة دون تعرضها للرصد، كإعتمداها على عناصر إستطلاع بشرية ذات مظهر غير مثير للشك، "كالنساء، أو الأطفال وصغار السن من الشباب ذات الفئة العمرية التي لا تتجاوز 16 – 18 عاماً"، والذين تتحدد مسؤولياتهم في المراقبة الدائمة لتحركات القوات على الأرض ومواضع إرتكازاتها ودورياتها الأمنية وأبراج المراقبة، وحركة الطيران الحربي، وخاصة مسارات المروحيات والطائرات بدون طيار، وتُعرف في شمال سيناء باسم «الزنانة»، التي يتم إستخدامها بشكل مُكثّف في عمليات الإستطلاع والمراقبة، وبناءا على ما سبق، يتم رسم مسارات حركة جديدة لتلك العناصر تضمن لهم تجنّب التعرض للرصد بأقل نسبة ممكنة، وتساعدهم على الوصول لأهدافهم بشكل آمن، وتحقيق عنصر المفاجأة. وبالتالي فإن الأمر كما هو سالف الذكر، يعتمد في المقام الأول على المعلومات، والغلبة لمن يمتلك القدر الأكبر من المعلومات.

العناصر الإرهابية قبل تنفيذها لأية عملية، تقوم بدراسة مُكثّفة للهدف من حيث :

1- الموقع: "قريب أو بعيد من باقي الارتكازات والأكمنة، هل في منطقة تسمح بسهولة الحركة للهجوم والانسحاب، قريب أو بعيد من المسارات المعتادة لدوريات المراقبة الجوية .

2- الحجم "بمعنى هل هو هدف ضخم يتكون من إنشاءات وأبراج ومركبات مدرعة – دبابات … إلخ، أو مجرد كمين ارتكاز أمني بسيط مكون من عدد بسيط من المركبات، أو كمين جديد مازال في طور التكوين والتجهيز ولم يستكمل بعد .

3- نوعيات وطبيعة تسليح وتجهيز الهدف: سواء من أبراج مراقبة، تحصينات هندسية، دبابات، مدرعات، رشاشات ثقيلة، أو مدافع، وتسليح الأفراد داخل الهدف أو الكمين .

4- طبيعة تحركات ونشاط الأفراد وتجهيزاتهم الفردية داخل الكمين أو الارتكاز، وبخاصة التزامهم بارتداء الفيستات والخوذ الواقية من الرصاص وامتلاكهم لأجهزة الرؤية الليلية .

وبعد دراسة ما سبق تشرع العناصر الإرهابية في التخطيط والإعداد والتجهيز والتدريب، وتتمركز في نقاط إرتكاز وإنطلاق يتم إعدادها بشكل مُسبق، بحيث تكون قريبة من الهدف المنشود، لسهولة الحركة وتقليل الزمن المطلوب للوصول للهدف، وللحيلولة دون التعرض للرصد واتخاذ رد الفعل المناسب، ويتم إخفاء ودفن الأسلحة والمركبات في تلك النقاط، في عشش أو خنادق أو مخابىء، يتم تغطيتها بأفرع الشجر أو أغطية مموهة ذات الوان مماثلة للرمال أو الزراعات المحيطة، ويمكن كذلك الإختباء داخل منازل قريبة في حال وجود ظهير سكني، يقطنها من هم داعمين لتلك العناصر، أو من خلال إجبار ساكنيها على التعاون معهم تحت تهديد السلاح، أو أنها منازل مهجورة من الأساس.

وتعتمد العناصر الإرهابية في تنفيذها للهجوم على العدد والتحرك من مختلف الاتجهات المحيطة بالهدف باستخدام الخطوات الآتية بالترتيب :

1- التعامل الكثيف على الكمين بالرشاشات الثقيلة عيار 12.7 مم / 14.5 مم، والقناصة من مسافات متوسطة، وإطلاق قذائف الهاون إن توافرت، بهدف المشاغلة والارباك وإحداث أكبر قدر من الخسائر من مسافات آمنة نسبياً .

2- إستخدام مقذوفات الآر بي جي لضرب الأبراج والمركبات المدرعة .

3- الدفع بالسيارات المفخخة "إن توافرت" مع تزويدها بألواح الصلب لمقاومة الطلقات، والدراجات النارية التي يقودها عناصر انتحارية مزودة بأحزمة ناسفة، أو عناصر مسلحة بالبنادق الهجومية ( AK 47 )، لاقتحام الكمين "بتتابع زمني محدد" مستغلين انشغال أفراد القوات المسلحة أو الشرطة في تفادي قذائف الهاون والآر بي جي إلى جانب اشتباكهم مع العناصر المسؤولة عن المشاغلة .

4- إذا نجح الاقتحام يتم القضاء على من تبقى من الأفراد داخل الكمين مع استغلال اصاباتهم وحالة الارتباك الناتجة عن إنفجار السيارات المفخخة أو من خلال العناصر الانتحارية «الانغماسيين» أو الناتجة عن سقوط قذائف الهاون وإصابة قذائف الأر بي جي للأبراج أو المدرعات .

5- إذا نجح أفراد قوة الكمين أو الارتكاز في التصدي للهجوم وإحباط محاولة اقتحامه وتدمير السيارات أو الدراجات النارية وقتل الانغماسيين، تنسحب على الفور العناصر المسؤولة عن المشاغلة سالفة الذكر، وتعتمد العناصر الارهابية في تنفيذ الهجوم على السرعة، سواء نجحت أو فشلت، للانسحاب قبل وصول الدعم الجوي والأرضي، ولكنها تترك وراءها الكثير من الآثار والأدلة التي تساعد على التوصل لمواقعها.

فمن أهم العوامل المساعدة، هي شهادة الشهود من المتواجدين في محيط مسرح العملية أو بالقرب منها، وكذلك المصابين، سواء من أفراد الكمين، أو من المُنفذين أنفسهم إن وُجدوا، ويتم الإستعانة بالمرشدين وقصاصي الأثر من أبناء المنطقة وعناصر الإستخبارات والاستطلاع ممن لديهم الخبرة والمعرفة لتحديد كافة التضاريس المحيطة من مناطق زراعية ومنازل وقرى مجاورة وطرق ومدقات ووديان ومرتفعات، بخلاف الآثار المُتخلّفة عن إطارات السيارات التي تستعين بها تلك العناصر في فرارها، وغيرها من الآثار التي يمكن الإعتماد عليها في عمليات التمشيط والبحث.

تبدأ عملية جمع كافة المعلومات وتحليلها وتقييمها وفرزها، وترتيبها بحسب الأولوية والأهمية، وذلك من خلال أجهزة أو منظومات إدارة جمع المعلومات، ثم تتزوّد بها كافة وسائل الإستطلاع والبحث والمسح والقتال الأرضية والجوية والبحرية «في حال مُتاخمة مسرح العمليات لمنطقة ساحلية»، وبذلك يتم تحديد أماكن تلك العناصر بواسطة المنصات والوسائل الإستطلاعية، والتي تقوم بتزويد منصات القتال الصديقة بإحداثيات الأهداف، والتي تقوم بإستخدام الصواريخ والذخائر المناسبة لقصف وتدمير تلك الأهداف، بحسب طبيعتها وموضعها، سواء كانت أهدافاً ثابثة أو متحركة، واضحة او مُتخندقة ومُتحصّنة، أو يتم التعامل مع الأهداف بواسطة عناصر العمليات الخاصة من الشرطة أو القوات الخاصة من الجيش في من خلال تنفيذ عمليات اقتحام نوعية ودقيقة.

رؤية تأمل فى العملية الإرهابية الأخيرة على كمين البطل بالعريش

وفيما يتعلق بعملية الأمس ضد كمين «البطل» وفي حال كان التسجيل المزعوم للشهيد البطل الملازم أول عمر القاضي، المتداول في وسائل التواصل الإجتماعي، أو حتى بدونه، وبالاعتماد على ما أسلفته في الخطوات المتبعة لدراسة الهدف والهجوم عليه، وباحتساب عدد العناصر الارهابية التي تم القضاء عليها 19 يُمكننا استنتاج الآتي :

1- تم استخدام الرشاشات الثقيلة والقناصة ومقوذفات الآر بي جي ضد قوة الكمين، والتي كانت بكل تأكيد أقل عددا من العناصر المهاجمة.

2- هذا الكمين إما أنه كان متحركاً وليس ثابتاً، يعتمد على 1 إلي 2 مركبة، أو كان كمين أو ارتكاز ثابت كان في طور التكوين والتجهيز.

3- الهجوم لم يستغرق إلا دقائق وليس ساعات كما يدّعي مروجي الإشاعات.

4- نفاذ الذخيرة لدى الأفراد إن صح لا يعني عدم توافر صناديق ذخيرة إضافية بل يعني نفاذ ما يحملونه معهم من مخازن الذخيرة الإضافية "فكل فرد لديه عدد معين من مخازن الذخيرة الإضافية لسلاحه تكون ملحقة على الفيست التكتيكي أو "حامل المهمات"، مع عدم تمكنهم من الوصول لصناديق الذخيرة الإضافية التي تكون داخل المركبات، وذلك بسبب الكثافة النيرانية العالية من العناصر الإرهابية المهاجمة والتي تجبرهم على التحصن في أماكنهم لتنعدم قدرتهم على التحرك أو التنقل من مكان لآخر.

5- مًصطلح «غربل الكمين» يتم استخدامهم في حال تعذر قوة الكمين عن صد الهجوم ونجاح العناصر الإرهابية من الوصول لمحيطة والسيطرة عليه، لتقوم القوات الصديقة بغمره بالنيران أيا كانت نوعياتها وأعيرتها لتدميره بكل من فيه وما فيه والحيلولة دون سقوطه في إيدي العناصر التكفيرية وقيامهم بتصوير العملية لنشرها في إصداراتهم المرئية، أي حرمانهم من أي نصر مهما كان الثمن، حتى لو حساب أرواح قوة الكمين، مما يدل على شجاعة هائلة وعقيدة صلبة راسخة لمتخذ هذا القرار.

6- الدعم الجوي كان موجوداً بدليل تدمير المركبة المدرعة التي حاولت العناصر الإرهابية السيطرة عليها والإفلات بها، وبدليل تتبع من تبقى من العناصر الإرهابية والقضاء عليهم مساء نفس يوم تنفيذ العملية.

التشكيك في قدرة وتجهيزات الكمائن خطأ فادح

ومن لا يزال مُشككاً في تجهيزات الكمائن والارتكازات الأمنية أو في الدعم الجوي، ويقوم بالتنظير ليلاً ونهاراً ويُملي على القوات المسلحة والشرطة ما يجب وما لا يجب فعله، يحتاج إلى مراجعة حقيقية مع النفس.

ففي حقيقة الأمر هو يجهل كافة التفاصيل المتعلقة بسلاسل الكمائن وأعدادها وطبيعة تجهيزاتها وتحصيناتها من الرشاشات الثقيلة والدبابات والمدرعات ووسائل المراقبة البصرية والحرارية، والتي تسببت في فشل هائل للعناصر الإرهابية في مهاجمتها واقتحامها على مدار السنتين الأخيرتين، والحقيقة إن دوريات الطيران لا تتوقف يومياً علي مدار الساعة، برغم كل ما تكلفه علي الدولة من أعباء سواء "مالية أو الصيانة، والوقود والدعم الفني والذخيرة .. إلخ.

والمتابع بشكل جيد للمشهد وسير العمليات، وخاصة بعد إنطلاق العملية الشاملة العام الماضي، سيلاحظ أن النشاط الإرهابي قد وصل لأقل مستوياته مقارنة بمستويات ما قبل ذلك وتحديداً في الفترة "2013 – 2016" التي بلغ فيها النشاط الإرهابي في شمال سيناء مبلغه.

كيف لا ترون النجاح الذي تحققة القوات يوم بعد الآخر؟!

في واقع الأمر بدلاً من أن نسأل "ليه لسة في عمليات إرهابية بتحصل؟"، وبدلاً من تضييع الوقت في جلد الذات وتوزيع الاتهامات بالتقصير وخلافه، علينا أن نسأل أنفسنا السؤال الأدق والأصح، وهو "كم عملية إرهابية تم احباطها في مقابل العمليات الإرهابية التي نجحت ؟"، وهل حققت العملية الأخيرة مبتغاها ؟، أو ما هي نسبة النشاط الإرهابي في الوقت الحالي مقارنة بما سبق في ظل العمليات العسكرية والأمنية في الآونة الأخيرة ؟ .

الإجابة: "لو كان الإرهاب نجح يا عزيزي القارىء وعزيزي المُشكك وعزيزي جلّاد الذات، لكنا رأينا مُدناً وقرىً تسقط في قبضة التنظيمات الإرهابية وأعلاماً سوداء ترفع فوق مبانيها مُعلنة عن انفصالها عن حدود الدولة المصرية، ولرأينا إنزالاً لقوات التحالف الدولي على سواحل سيناء لتحرير العريش وبئر العبد، وكنا رأينا طيراناً أجنبي يقصف تنظيم داعش في شرم الشيخ أو دهب أو الحسنة، وكنا سمعنا عن قيام القوات المسلحة بتحرير العريش أو رفح من قبضة تنظيم داعش كما نسمع ونرى "في دولٍ أخرى في المنطقة .

وأيضاً يا عزيزي المُشكك لو كان الإرهاب نجح "ما كنا رأينا  قناة السويس الجديدة، ولا محاور وأنفاق وتنمية في كل ربوع نصر، ولا كنا رأينا سحارة سرابيوم، أو تطوير لمطار المليز، ولا إنشاء أكبر مجمع صناعي للرخام والجرانيت في "الشرق الأوسط .

بل كنا سنعيش واقعاً سنتمنى إنه يكون مجرد كابوس طويل نريد أن نستيقظ منه.

إستمرار حروب الشائعات لمحاولة التقليل من نجاح القوات في القضاء علي الإرهاب بسيناء

يمكن القول إن حروب الشائعات تزداد في الوقت الذي يزداد فيه النجاح في محاربة الإرهاب بسيناء بشكل خاص، فنجد شائعة منح أراضي للفلسطينيين بسيناء، وبالمناسبة من أين للدولة إنها مُتجهة لتنمية شمال سيناء وربطها بمشروع تنمية محور قناة السويس، ومن أين إنها ستقوم بإخلاؤها لمنح أرض إضافية للفلسطينيين ضمن ما يُسمى بـ” صفقة القرن ” ؟ .. قمة المسخرة .

أخيراً إجابة السؤال الاستنكاري «لية الإرهابيين مبيخلصوش؟»

في شهر يونيو عام 2010، المُحاضر الإيطالي في جامعة بولونيا بإيطاليا والحاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة أوهايو في الولايات المتحدة، الدكتور لوريزنو زامبيرناردي، أصدر دراسة هامة في مجلة ” THE WASHINGTON QUARTERLY ” الفصلية الصادرة كل 3 أشهر والمُختصة بالشؤون الدولية والمتغيرات الإستراتيجية العالمية، تحت عنوان ” المُعضلة الثلاثية المستحيلة في مكافحة التمرد The Impossible Trilemma of Counterinsurgency “.

وفي دراسته يقول الدكتور «زامبيرناردي»، إن مكافحة التمرد "مكافحة الإرهاب" تتضمن 3 أهداف رئيسية، ولكن في التطبيق الواقعي والعملي، هذه العملية بتتطلب إختيار هدفين فقط من أصل ثلاثة، وهو ما يُعرف بالمُعضلة الثلاثية المستحيلة في مكافحة التمرد أو الإرهاب.

وفي علوم الإقتصاد يُعرف مُصطلح ” المُعضلة الثلاثية المُستحيلة The Impossible Trilemma ” بـ” الثالوث الغير مُقدس Unholy Trinity ” أو ” المُعضلة الثلاثية للاقتصاد الحر Open-Economy Trilemma “، وبيتم إستخدامه للتأكيد على أن الإقتصاد مستحيل يحصل في وقت واحد على الآتي :

1- سياسة نقدية مُستقلة .

2- حرية في حركة رأس المال .

3- سعر صرف ثابت.

وفي مجال مكافحة التمرد أو الإرهاب Counterinsurgency / Counterterrorism، المُعضلة الثلاثية في هذا النوع من الحروب الغير نمطية، بتعبر عن إستحالة تحقيق 3 شروط في وقت واحد وهي :

1- حماية القوات والحفاظ على أرواح الأفراد المقاتلين.

2- التفريق أو التمييز بين مقاتلي العدو وبين المدنيين.

3- التصفية الجسدية للعناصر المتمردة أو الإرهابية.

ولكي نحقق شرطين لابد أن نتخلى عن الشرط الثالث، والذي يستحيل تحقيقه بنسبة نجاح مرتفعة، فيُمكن للقوات المسلحة، أن توفر الحماية لأفرادها خلال المواجهات، ولكن سيكون ذلك في مقابل القتل العشوائي للمدنيين متضمنين العناصر الإرهابية التي تتذخ الوسط السكني كحاضن وملاذ آمن لها وكدروع بشرية ضد أية محاولات للتعامل معها من قبل قوات إنفاذ القانون من الجيش أو الشرطة.

وفي حال العمل على تحقيق شرط حماية المدنيين جنباً إلى جنب مع حماية أفراد القوات المسلحة، سيكون ذلك على حساب تحقيق معدلات تصفية ملموسة ضد العناصر الإرهابية، وبالتبعية سوف تستغرق عمليات مكافحة الإرهاب مزيد من الوقت والمجهود.

وهنا بيتساءل الدكتور "لورينزو" عن أي الشروط الواجب على الدولة تحقيقها في حربها ضد الإرهاب؟ هل تتخلى الدولة عن شرط التصفية للإرهابيين مقابل حماية أرواح المدنيين وجنودها سواء؟، أم تصفية العناصر الإرهابية وهو أمر في غاية الأهمية لدرجة إنه يمكن التضحية بشرط الحفاظ على أرواح المدنيين أو شرط الحفاظ على أرواح القوات، ويكون مُستحق للثمن اللازم دفعه ؟.

ومن المؤكد أنه في الحروب الغير نظامية أو الغير نمطية Irregular / Asymmetric Warfare، تكون العناصر الإرهابية مُختلطة ومُندمجة وسط المدنيين، ويصعب تمييزهم، وتكون هناك نسبة مرتفعة من الخسائر البشرية في أرواح الأبرياء بهذه الحرب الدائرة والجهود المبذولة من الدولة لمكافحة الإرهاب، وهذا سوف يتسبب في سقوط الأبرياء، بل ويتم توظيفة إعلامياً لمحاربة النظام السياسي بالدولة، وأيضاً يمنح الفرصة للعناصر الإرهابية في الحصول على التعاطف والحاضنة الشعبية في البيئة السكانية المحيطة بهم، وبمعنى آخر يكون الناتج هو مفرخة لمزيد من العناصر الإرهابية التي تسعى للإنتقام، وبالتالي خيار التضحية بالمدنيين يكون غير محمود نهائياً.

الخيار الثاني المتعلق بعدم تصفية العناصر الإرهابية ومحاولة الوصول معها لحل أو تسوية سياسية، هو مثالي في بعض الظروف أو عند بعض الدول، إلا إنه لا يصلح نهائياً مع عناصر ذات مرجعية دينية مُشوّهة وعقيدة تكفيرية تلفظ كل ما هو مُخالف لها في الفكر والعقيدة ولا يمكن معها عمل المراجعات الفكرية أو الوصول لأية تسويات سياسية أي «الفكر التكفيري لكل المجتمع بمسلميه ومسيحييه وتكفير الحاكم والجيش والشرطة وحلم إقامة دولة الخلافة» .

الخيار الثالث يقوم على التضحية بفكرة حماية القوات المسلحة والحفاظ على أرواح أفرادها في مقابل تصفية العناصر الإرهابية والتمييز بينها وبين المدنيين الأبرياء، ولكن بالطبع سيكون على حساب أرواح الأفراد والمقاتلين وعلى حساب المعدات العسكرية.

والدكتور "لورينزو" يرى إن التركيز على التمييز بين المدنيين الأبرياء والعناصر الإرهابية والذين يتشابهون في الشكل والدين والعادات واللغة، يمكن أن يكون الحل الأفضل، وخاصة أنه يضمن تعاون السكان مع القوات المسلحة في حربها ضد الإرهاب، مما يساعد على لفظ العناصر من حاضنتها الشعبية بشكل أسرع.

ولكن في المقابل، سنجد إن تنفيذ العمليات سيكون بوتيرة أبطأ، بخلاف فقدان المزيد من الأرواح بين صفوف قوات إنفاذ القانون أثناء المواجهات.

نُبل القوات المسلحة والشرطة في حربها علي الإرهاب

وإذا ألقينا نظرة على الوضع في شمال سيناء وطبقنا تلك الدارسة عليه، سنجد أن القوات المسلحة والشرطة تستخدم الخيار الأكثر نُبلاً وإنسانية في حربها علي الإرهاب، وذلك من خلال الحفاظ على أرواح المدنيين بأقصى درجات ضبط النفس في التعامل مع العناصر التكفيرية، في مقابل طول أمد المواجهات وسقوط أعداد من الشهداء والمُصابين بين صفوف القوات أثناء تنفيذ العمليات العسكرية، ولكن على الناحية الآخرى يضمن هذا الخيار تصفية أعداد أكبر من العناصر التكفيرية على المدايات المتوسطة والبعيدة وكذا تحقيق السيطرة على الأرض بشكل أفضل مع تقديم التعاون من المواطنين والقبائل من أبناء المنطقة .

يستقبل الموقع كافة المقالات من المتخصصين فى كافة اوجه ومجالات التنمية أرسل مقالك

شارك مع اصدقائك


شارك بتعليقك
اقرأ ايضا
فيديو المؤسسة
المزيد
مقالات
المزيد
Image
  • القاهرة - مصر
  • Image%
  • Image

اليوم

  • Image
    ° العظمى
  • Image
    ° الصغرى

غداَ

  • Image
    ° العظمى
  • Image
    ° الصغرى